الشيخ محمد رشيد رضا

347

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرب الاله آدم قائلا من جميع شجر الجنة تأكل أكلا 17 وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها لأنك يوم تأكل منها موتا تموت » اه وقد أكل آدم من الشجرة ولم يمت يوم أكلها « 1 » والآن قد علل النهي بأنه يترتب على مخالفته أن يكونا من الظالمين لأنفسهما أي بفعلهما ما يعاقبان عليه ولو بالحرمان من ذلك الرغد من العيش وما يعقبه من التعب في المعيشة * * * ( فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما ) قال الراغب الوسوسة الخطرة الرديئة واصله من الوسواس وهو صوت الحلي ، والهمس الخفي ، قال ( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ ) وقال ( مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ ) ويقال لهمس الصائد وسواس اه فوسوسة الشيطان للبشر هي ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزين لهم ما يضرهم في أبدانهم أو أرواحهم ومعاملاتهم ، وقد فصلنا القول في ذلك مرارا . والظاهر هنا أن الشيطان تمثل لآدم وزوجه وكلمهما وأقسم لهما ، ولا مانع منه على قول الجمهور . ومن جعل القصة تمثيلا لبيان حال النوع البشري في الأطوار التي تنقل فيها يفسر الوسوسة بما تقدم آنفا فان الانسان عندما ينتقل من طور الطفولة التي لا يعرف فيها هما ولا نصبا إلى طور التمييز الناقص يكون كثير التعرض لوسوسة الشيطان واتباعها . وقد عللت هذه الوسوسة بأن غايتها أو غرضه منها أن يظهر لهما ما غطي وستر عنهما من سوآتهما . يقال وارى الشيء إذا غطاه وستره و : ووري الشيء غطي وستر ، والسوأة ما يسوء الانسان من أمر شائن وعمل قبيح . والسوأة السوآء الخلة القبيحة والمرأة المخالفة . قال في حقيقة الأساس : وسوأة لك ، ووقعت في السوأة السوآء . قال أبو زبيد لم يهب حرمة النديم وحقت * يا لقومي للسوأة السوآء ثم قال : ومن باب الكناية بدت سوأته وبدت لهما سوآتهما اه وإذا أضيفت السوأة إلى الانسان أريد بها عورته الفاحشة لأنه يسوؤه ظهورها بمقتضى الحياء الفطري ما لم يفسده يتعود اظهارها مع آخرين فيرتفع الحياء بينهم . وجمعت هنا على القاعدة في إضافة المثنى إلى ضميره إذ يستثقلون الجمع بين تثنيتين فيما هو كالكلمة الواحدة فيجمعون المضاف كقوله تعالى ( إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما ) . وسنذكر معنى ما كان من هذا الاخفاء أو المواراة لسوآتهما عنهما في تفسير قوله تعالى ( فَبَدَتْ

--> ( 1 ) لا يصح أن يكون الموت هنا مجازيا لتأكيده بالمصدر مع انتفاء الينة